Custom Search

الأحد، 2 أغسطس 2009

نظرية فردريك تايلور للادارة العلميه

إن نقطة البدء التي اعتمدت عليها نظرية فردريك تايلور بسيطة إلي أبعد حد ، فقد اكتشف أن تحديد ما يتم أنتاجه في أحد أيام العمل بالنسبة للأفراد في الأعمال المختلفة, وإدراك العمال لحجم هذا الأنتاج سيساعد بغير جدال علي رفع الانتاجية ، واجري تايلور عدة تجارب عملية دقيقة في الورش الصناعية التي عمل فيها لمعرفة ذلك ، ووصل فعلا إلي نتائج أكيدة ، والنهوض بأي فرع من فروع المعرفة ليس بالامر السهل ، ولابد ان يكون ثمرة تجارب متعددة وتظهر اصالة فردريك تايلور في ميدان الإدارة ليس فقط في اكتشافه بعض قوانينها العلمية ، ولكن في إصراره علي البحث والتجربة حتي وصل إلي ذلك .

ولم تكن الأساليب التي اتبعها تايلور نظرية فقط ، فقد لجأ كذلك إلي بعض الوسائل والأدوات والمعدات ، فقد استخدم فعلا في بداية اكتشافه ساعة توقيت وشريط تسجيل ، واستطاع ان يقيس الوقت والحركة اللازمين لإتمام الأعمال المختلفة داخل الورش الصناعية ، وبهذا امكنه ان يحسب الوقت والحركة الضائعين ،وساعدت هذه النتائج علي الاهتداء إلي وسائل خفضت الوقت الضائع إلي 60% بدلا من80% .

وكان هدف تايلور من هذه الدراسات هو الوقوف علي أفضل الأساليب لإنجاز الأعمال المتعددة للوظائف المختلفة في المؤسسات الصناعية ، وفي عام 1895 تقدم فرد ريك تايلور بأولي نتائج دراساته إلي الجمعية الأمريكية للمهندسين ، وكانت عن نظام الدفع بالقطعة ، وفي هذه الدراسة ذكر تايلور انه لو أمكننا تحديد الإنتاج المعقول ليوم عمل فإننا نصل بالتالي إلي تحديد متوسط العمل الذي يستطيع الفرد إنجازه في الوحدة الزمنية ، فإذا حددنا الأجر علي هذا الأساس ، نكون قد حققنا علاقة عادلة بين الأجر والناتج ، وخلقنا حافزا هاما لدي العاملين لزيادة إنتاجهم ، وأثارت هذه النظرية الكثير من الفضول في دوائر المؤسسات ، ولكن نقابات العمال لم تمنح تايلور ثقتها واعتقدت ان نظريته وسيلة أخري تلجأ إليها الإدارة الرأسمالية لامتصاص حيويتهم في سبيل تضخيم أرباحها .

ورغم ذلك استمر فريدريك تايلور في دراساته ، ونشر طبعة منقحة من بحثه عام 1903 تحت عنوان إدارة الورشة ، ثم قدم في عام 1907 دراسة مستقلة عن تقطيع المعادن وكيفية قياسه علي ضوء دراسات الوقت والحركة ، وتحولت دراسات الوقت والحركة التي قام بها تايلور إلي علم دقيق يشمل الأعمال المختلفة للوظائف المتعددة في ورش المؤسسات ، وأمكن الاهتداء إلي وصف دقيق لتلك الأعمال ، كما أمكن تحليل الحركات اللازمة لإنجازها وقياس الوقت الذي تستغرق كل منها ، وأسفر ذلك عن عمل أنماط دقيقة للعملية الإنتاجية ، وإتاحة الفرص للنمو الذاتي للعاملين وللمؤسسة ذاتها ، إذ توصل تايلور إلي اكتشاف العوامل التي تساعد علي زيادة الإنتاج ، واستطاع ان يفتح آفاقا جديدة لدراسات الإدارة ، وان يطعمها بأصول ومبادىء هندسية فتحققت نتيجة لذلك صلة بين فن الإدارة وعلم الهندسة الصناعية التي تعد ركنا في أساسيا في عملية تنظيم المؤسسات الصناعية وادارتها .

وبلور تايلور تلك التجارب والدراسات في كتابه مبادىء الإدارة العلمية الذي أصدره عام 1911 ، وتوالت طبعات الكتاب ، واحتوي بعضها علي بحوث أخري لفريدريك تايلور ، مع تعليقات لكبار المتخصصين في الإدارة والتنظيم علي تلك الدراسات ، ولا جدال في أن الإنصاف يحتم الإشارة إلي جهود جماعة الخبراء والمهندسين الذين ساهموا مع تايلور بل ومن قبل فريدريك تايلور في إرساء دعائم تلك المدرسة العلمية ، فقد كان لهؤلاء في هذا الصدد دور هام لا يمكن إغفاله ، ولكن كأي اختراع أو تجديد علمي ، تقترن الإدارة العلمية بفريدريك تايلور بالذات ، ربما لأنه كان أكثرهم جميعا تعمقا في دراسة الموضوع ، أو لأنه أوسعهم شهرة ، واقلهم تعرضا للهجمات والانتقادات ، وأيا كان الأمر فلا مفر من ان نعترف لتايلور بطول الباع وقوة الدارية في هذا الميدان ، وصارت الإدارة العلمية تقترن باسم فريدريك تايلور .

وألقت نظرية فريدريك تايلور مسئولية كبري علي عاتق الإدارة العليا للمؤسسات الصناعية ، فهي لم تعد مسئولة عن تدريب العمال علي تأدية الأعمال طبقا للمستويات النمطية فحسب أنما أصبحت مطالبة أيضا بالتدقيق في اختيار الملاحظين والمشرفين, وتوفير أقصي إمكانيات التدريب والتوعية لهم ، ودعا تايلور أيضا إلي ضرورة مراعاة الطرق العلمية عند تحديد الأجور الأساسية والتشجيعية فالأجر الأساسي يدفع كمقابل لإنتاج يوم عمل علي أساس المستوي النمطي والأجر التشجيعي يدفع لمن يقدم إنتاجا يزيد عن ذلك وهكذا يتم إيجاد رابطة قوية بين الأجر والأنتاج .

تعرضت الصناعة الأمريكية إلي أخطر تهديد صادفها منذ بدء الثورة الصناعية ، وارتفعت أصوات نقابات العمال بالشكوى وأخذت تضغط علي الحكومة الأمريكية عندما لجأت المؤسسات الصناعية ألي توفير العمال وخفض أجورهم لتتمكن من مواجهة الكساد الزاحف علي الاقتصاد الأمريكي ، ولجأت الحكومة الأمريكية إلي الخبراء وبينهم فرد ريك تايلور تستشيرهم في كيفية العمل علي تخفيف حده الأزمة الاقتصادية .

وأمام الكونجرس ، وعلي مسمع من الرأي العام الأمريكي ، وقف تايلور يشرح نظريته ويدافع عنها ودعا الإدارات العليا للمؤسسات الصناعية والنقابات العمالية في نفس الوقت إلي تقبل الآراء التي أثبتها في تجاربة المتعددة ، واستجابت أكثر المؤسسات الصناعية بالفعل إلي هذه الآراء ، وشرعت في تطبيق نظريات تايلور مستعينة في هذا بالمهندسين و خبراء الإدارة ، وقد ساعد ذلك علي تأكيد دور الهندسة الصناعية في إدارة المؤسسات الصناعية ، وفتح الباب علي مصراعيه أمام الثورة الصناعية لتنطلق نحو آفاق جديدة .

إلا أنه ظهر بوضوح أن ما أعتبرانه فاتحة عهد جديد في العلاقة بين الإدارة والعمل ، لم يكن في الواقع سوى طفرة أعقبتها نكسات ، اذ أن الإدارة العليا للمؤسسات لم تكن قد تخلصت نهائيا بعد من سعيها وراء تضخيم أرباحها علي كافة المستويات ، فقد كان ذلك من الصفات البارزة للإدارة الرأسمالية الناضجة ، ومن الصعب إرغام أية ظاهرة علي إتباع سبيل مناهض لطبيعتها .

لذلك نري أن الأخذ بالطرق العلمية لم يمنع المؤسسات الصناعية من تخفيض فئات الأجور الأساسية مرة أخري متعللة بظروف الكساد الاقتصادي أو المركز المالي للمؤسسة ، ولم يضمن تطبيق الطرق العلمية الأمن والاطمئنان للعمال ، بل علي العكس لقد شجع علي الاستغناء عن أعداد متزايدة منهم ، إذ أدي ازدياد النظام واتباع الأساليب العلمية الدقيقة في الإدارة إلي الاستغناء عن الأعمال غير الضرورية التي لا تدعو إليها الحاجة ، ومن جانب اخر أدي إمعان المؤسسات في استخدام نظم الدفع بالقطعة إلي ظهور علاقات واهية بين العامل وزملائه ، وجعله حبيس الآلة ، وأصبح كل همه السعي بكل وسيلة لزيادة كسبه واثبات تفوقه علي الآلة ، حتى لو كان ذلك علي حساب زملائه ، وتعرضت حياة العمال اليومية لتقلبات هوجاء مبعثها تغيرات دخولهم ، حتى فقدوا الإحساس بالأستقرار .

كل ذلك أدركه تيلور في اخريات أيامه ، وانتابته من جرائه أزمات نفسية طاحنة ، ولكنه لم يقلل من تقديره لأهمية بحثه وكشفه ، فقد اهتدي تايلور إلي أول الطريق الموصل إلي الرشد الصناعي ، وفتح آفاقا واسعة نحو أفضل السبل لإستخدام الوسائل العلمية في إرشاد الجهد الإنتاجي ، وإذا كان نظامه قد تمخض عن كل هذه الآثار ، فان هذا لا يعني توجيه اللوم إلي تايلور ، بل هي قضية سياسية وأيدلوجية خارجة عن نطاق بحثه ، لذا لم يتعرض لها أثناء بحثه المعروف ( كيفية زيادة الإنتاجية بالعلم والإرشاد ) .

وتعرضت نظرية تايلور لخطرآخر ، فقد ظهرت في الميدان الصناعي جماعات من أدعياء الخبرة بدراسات الوقت والحركة ، وعرضوا خدماتهم علي المؤسسات الصناعية مقابل أجور باهظة ، وهكذا تحولت المشكلة إلي صورة تجارية بحتة ، ولم تستند إرشادات هؤلاء الأدعياء وتوجيهاتهم إلي أفضل وسائل استخدام دراسات الوقت والحركة إلي أسس صحيحة ، بل كانت أعمالهم تتسم بالتسرع والسطحية .

وكانت النتيجة الحتمية لذلك فشل المقترحات والنظم التي وضعها جماعات أدعياء الخبرة لغالبية المؤسسات التي لجأت إليهم ، واشتدت معاناة العمال من ذلك فكثر تذمرهم إذ كانت المستويات النمطية للأعمال في كثر من الأحيان تتعدي المتوسط المعقول بكثير إرضاء لأصحاب الأعمال ، وأهدرت حقوق العمال ، حتى خيل لهم أن الطريقة العملية هذه ليست إلا وسيلة أخري لضياع حقوقهم لدي أصحاب الأعمال ، كل هذه النتائج لا تعني الانتقاص من قيمة طريقة تايلور في الإدارة العلمية ، ولا من أهميتها ، فإن تايلور كان يبحث في كيفية التوفيق بين مصالح أصحاب الأعمال والإدارة العليا من ناحية ، وبين حقوق العمال من ناحية أخري ، وهو بذلك قد ساعد علاج مشكلات الإنتاج الصناعي ، وتطوير أساليب تنظيمية حتى يمكن للعالم أن يجني أعظم ثمار من التقدم الصناعي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق